قروب العائلة: برلمان المجاملات الرقمي

ثم جاءت التقنية، فظننا أنها ستحررنا من الاعتبارات، فإذا بها تمنحها مقرًا دائمًا يعمل على مدار الساعة: قروب العائلة.

الأدوار المحفوظة

في هذا البرلمان الرقمي، لكل عضو دور محفوظ.

العم الأكبر يرسل مقاطع «صباح الخير» بورودها المتحركة وطيورها المغردة، ويجب على الجميع الرد، لأن تجاهل صباحيات العم الأكبر قطيعة رحم إلكترونية.

والخالة ترسل وصفات علاجية بالأعشاب لأمراض لم يُشخَّص بها أحد، فتُستقبل بعبارة «جزاك الله خير» من أطباء في العائلة يعلمون علم اليقين أنها لا تنفع ولا تضر — والحمد لله أنها لا تضر.

اقتصاد التهنئة

وحين ينجح ابن أحدهم في الثانوية، تنهمر التهاني ثلاثة أيام متواصلة، ويجد ابن العائلة الذي تخرج من الجامعة قبل شهر — بمرتبة الشرف — أن إنجازه غُمر في سيل «ألف مبروك يا بطل».

فالتهنئة في القروب لا تقيس حجم الإنجاز، بل سرعة وصولها بعد التهنئة الأولى: المهنئ الأول رائد، والعاشر مجامل، والمتأخر يومين متهم في ولائه العائلي.

العلامتان الزرقاوان

أما الميزة الأخطر فهي العلامتان الزرقاوان.

قرأتَ رسالة العمة ولم ترد؟ هذه ليست مشغولية، هذه قضية رأي عام تُناقش في أول تجمع عائلي: «شفنا إنك قريت...».

ولهذا يعيش نصف أعضاء القروب بخاصية إخفاء «آخر ظهور» — لا هربًا من الغرباء، بل هربًا من الأهل.

الكاشف

وكاشف الاعتبارات هنا لحظة المغادرة.

يكفي أن يغادر أحدهم القروب — ولو بالخطأ — حتى تنعقد لجان المصالحة، وتُجرى الاتصالات، ويُعاد ضمه بحفاوة العائد من الغربة.

مع أن الجميع، في قرارة نفسه، يحلم بالزر نفسه ولا يجرؤ.