إدارة السياسات: محامي الشيطان

في العلن، تدّعي إدارة السياسات أنها حامية النظام. لكن من خلال العدسة السوداء، هي محامي الشيطان داخل المنظمة.

وظيفتها ليست تطبيق العدالة، بل صياغة نصوص تمنح الإدارة الحق في فعل ما تشاء، وتُبقي الموظف دائمًا في الجانب الخاطئ من المعادلة. دورها الأساسي تحويل النوايا الإدارية — مهما كانت مجحفة — إلى نصوص تبدو نظامية ومحكمة. وذلك عبر أربع استراتيجيات.

أولًا: صناعة المناطق الرمادية

السياسة الواضحة عدوّ الإدارة، لأن الوضوح يقيّد السلطة. لذا يتعمّد محامي الشيطان خلق ضبابية لغوية تسمح بتعدد التفسيرات.

المصطلحات المطاطة. عبارات مثل «السلوك غير اللائق»، و«مصلحة العمل تقتضي»، و«وفقًا لما تراه الإدارة مناسبًا». هذه العبارات بلا تعريف محدد في نظام العمل، فتمنح المدير شيكًا على بياض: يفسّر أي تصرف للموظف على أنه مخالفة، وأي قرار تعسفي على أنه مصلحة عمل.

فخ «على سبيل المثال لا الحصر». عند ذكر المخالفات أو المهام، تُختتم القائمة دائمًا بـ«وما يستجد من أعمال» أو «وغيرها من المخالفات المماثلة». هذه العبارة الصغيرة تُلغي قيمة الوصف الوظيفي واللائحة معًا، وتجعل كل شيء مباحًا للإدارة لتضيفه لاحقًا دون تعديل العقد.

ثانيًا: الالتفاف على نظام العمل

كيف تخالف نظام العمل دون أن تخالفه رسميًا؟ هنا تكمن عبقرية إدارة السياسات.

تغيير المهام الجوهري. يمنع نظام العمل تغيير مهام الموظف جوهريًا دون موافقته. الحل؟ بند في السياسة الداخلية يوقّعه الموظف عند التعيين، يوافق فيه مسبقًا على «المرونة في التنقل بين الأقسام والمهام حسب الحاجة التشغيلية». وبهذا التوقيع يتنازل عن حمايته القانونية طواعية.

شرعنة الفصل. نظام العمل يحمي الموظف من الفصل التعسفي. الحل؟ صياغة خطط تحسين أداء (PIP) معقدة ومستحيلة التحقيق. والهدف منها ليس التحسين، بل بناء ملف قانوني يثبت «عدم كفاءة» الموظف أمام المحكمة العمالية، فيبدو فصله قانونيًا مئة في المئة.

ثالثًا: فنّ دفن الحقوق

الحقوق موجودة، لكن السياسات تُكتب بطريقة تجعل الوصول إليها أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.

التشتيت الوثائقي. بدلًا من وضع حق الموظف في وثيقة واحدة واضحة، تُفتَّت المعلومة: تجد الاستحقاق في دليل الموظف، وشروط المنح في لائحة منفصلة، وآلية الصرف في تعميم ثالث. والهدف أن ييأس الموظف من فهم حقه، أو يفوته شرط صغير يُسقطه بالكامل.

الشروط التعجيزية. يُكتب الحق بخط عريض، ثم تلحقه شروط الاستحقاق بخط صغير ولغة معقدة. «يحق للموظف بدل تعليم» — لكن الشروط تتطلب موافقات لا تُنال، أو تربط البدل بأرباح الشركة التي لا يتحكم بها الموظف.

رابعًا: الستار المخملي لمزايا التنفيذيين

بينما تُنشر سياسات الموظفين للجميع للترهيب، تكون سياسات مزايا التنفيذيين وثائق سرية أو ملاحق خاصة لا يطّلع عليها أحد.

بند الاستثناءات القيادية. تتضمن السياسات بندًا سحريًا في نهايتها: «تطبَّق هذه اللائحة على الجميع، باستثناء الحالات التي يوافق عليها الرئيس التنفيذي أو لجنة المكافآت». هذا البند هو البوابة الخلفية التي تمرّ منها السيارات الفارهة وتذاكر الدرجة الأولى والقروض الميسّرة — بينما يُحاسَب الموظف على دقيقة تأخير.

المسميات البديلة. لا يسمّونها مكافأة، بل «بدل مخاطر استراتيجية» أو «حافز استبقاء قيادي»، إخفاءً لها عن أعين الموظفين والمساهمين، ولتبدو ضرورة تشغيلية لا رفاهية.

وفي سياق تعويضات التنفيذيين هناك ما يُعرف بالمظلات الواقية: اتفاقيات تضمن للمسؤولين الكبار مكافآت مالية ضخمة حال إنهاء خدمتهم، خاصة بعد تغيّر ملكية الشركة.

الخلاصة

إدارة السياسات هي غرفة التبييض القانوني في المنظمة. دورها أن تُلبس الظلم ثوب النظام، وأن تحوّل حقوقك إلى منح مشروطة، بينما تحوّل امتيازات الكبار إلى حقوق مكتسبة لا يمكن المساس بها.