ثمة منظور آخر لما يُسمى «الاحترافية» في الموارد البشرية.
فبينما تكتظ رفوف المكتبات الإدارية بكتب تتحدث عن «الذكاء العاطفي» و«مهارات التواصل» كأدوات وحيدة للنجاح، تكشف العدسة السوداء أن مهارات موظف الموارد البشرية المحترف هي في جوهرها مجموعة «فنون قتالية إدارية».
تهدف هذه المهارات إلى تحويله إلى سندان سلطوي يستطيع فرض نفوذه في الغابة المؤسسية. وهي مهارات فتاكة، ولا تُكتب في مستودع المهارات المتعارف عليها في المنظمات.
المهارة الأولى: إدارة المحسوبيات
لا يوزّع الخبير الحظوة عشوائيًا، بل يستخدمها لبناء «شبكة حماية» سياسية. فمن خلال تعمّد توظيف أقارب أو أصدقاء الشخصيات النافذة، يضمن الـ HR أن أي محاولة للإطاحة به ستصطدم بمقاومة شرسة من داخل تلك الدوائر القوية.
المحسوبية هنا ليست مجرد فساد ساذج، بل استثمار سياسي طويل الأمد يضمن بقاءه في منصبه.
المهارة الثانية: معمارية الصلاحيات
يبرع الـ HR الخبير في إعادة تصميم الهيكل التنظيمي ليجعل من نفسه «عنق الزجاجة» الإجباري في كل شيء.
هو يتدخل في تصميم مسارات الاعتماد (Approval Workflows) بدقة تضمن ألا يمرّ أي قرار — ترقية أو مكافأة أو ابتعاث — دون توقيعه الشخصي. وهذه الهندسة المتعمّدة تُبقي الجميع، بمن فيهم المديرون التنفيذيون، في حالة احتياج دائم وتبعية مستمرة له.
المهارة الثالثة: التملق الاستراتيجي
في الغرف المغلقة يمارس الخبير التملق الاستراتيجي مع أصحاب النفوذ. وهو ليس تملقًا عاديًا، بل «فن التموضع» كمستشار أمير يحمي المدير من غضب الموظفين أو المساءلة القانونية.
هو يبيع للمدير «راحة البال» مقابل الحصول على السلطة المطلقة — الخيط والمخيط — في إدارة شؤون الموظفين.
ولتعزيز هذا النفوذ، يبني «بنك الأسرار» عبر استغلال وصوله إلى الملفات الشخصية والأحاديث الودية، فيجمع معلومات عن نقاط ضعف المعارضين — مشاكلهم العائلية أو طموحاتهم السرية — ليستخدمها رصاصات جاهزة عند الحاجة للضغط عليهم أو تحييدهم.
المهارة الرابعة: تطويع السياسات
القوة الحقيقية لخبير الموارد البشرية تكمن في قدرته على تطويع السياسات (Policy Bending)، حيث يجعل اللوائح مطاطة تخدم المصلحة اللحظية.
فهو يستطيع إيجاد مخرج قانوني لأي تجاوز يرتكبه أصحاب الحظوة، بينما يقتنص ثغرة قانونية لخنق أي «متمرد» يطالب بحقوقه — محوّلًا النص القانوني إلى طين يشكّله كيفما شاء.
ويُستخدم «سيف ديموقليس» المتمثل في سلطة الجزاء والعقاب ولجان التحقيق أداةَ ترهيب لكسر شوكة الموظفين الأقوياء وإجبارهم على الانصياع للقطيع، بدلًا من كونها أدوات للإصلاح.
المهارة الخامسة: الاستخبار
ولإحكام السيطرة التامة تُمارَس الحرب النفسية عبر نشر الإشاعات الموجّهة عن «تسريحات قادمة»، لجسّ نبض الموظفين وإضعاف تكتلاتهم.
كما يتم تجنيد مخبرين داخل الأقسام — غالبًا ممن عُيّنوا عبر المحسوبية — لنقل أدق تفاصيل ما يدور في الكواليس، مما يجعل الـ HR دائمًا متقدمًا بخطوة على أي تحرك جماعي.
الخلاصة
موظف الموارد البشرية الخبير في الغابة المؤسسية لا يقود عبر «الإلهام»، بل عبر السيطرة المطلقة على الموارد والمعلومات والنفوس. وما يجذبه إلى هذه المهنة هو شغف السلطة.
هو المهندس الذي يبني السجن، والسجّان الذي يملك المفاتيح، والكاتب الذي يملك سلطة تغيير قواعد السجن متى شاء لضمان سيادته المطلقة.