سأتناول في هذه التدوينة بعض السيناريوهات المحتملة لنهاية العالم من جرّاء تطور الذكاء الاصطناعي. ولا أعني بالنهاية بالضرورة فناء البشر. قد تكون نهاية العالم كما نعرفه: بنظامه الاقتصادي، وتوازناته السياسية، وثقتنا بما نرى ونسمع.
المحذّرون من الداخل
اللافت أن أعلى الأصوات تحذيرًا من الذكاء الاصطناعي تأتي من داخل الصناعة نفسها. جيفري هينتون، الملقّب بعرّاب الذكاء الاصطناعي والحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2024، استقال من غوغل عام 2023 ليتحدث بحرية عن مخاطره. ومعه إيلون ماسك أحد مؤسسي OpenAI، ومصطفى سليمان أحد مؤسسي DeepMind ومؤلف كتاب "الموجة القادمة"، وغيرهم كثير. وفي العام نفسه وقّع مئات العلماء وقادة الشركات بيانًا قصيرًا يدعو إلى معاملة خطر الانقراض بسبب الذكاء الاصطناعي أولويةً عالمية، إلى جانب الأوبئة والحرب النووية. والمفارقة أن هؤلاء أنفسهم من أكثر المساهمين في تطويره.
وتحذيراتهم ليست تنظيرًا من بعيد، بل نظرة من الداخل. فالنماذج التي يستخدمها عامة الناس مقيّدة بضوابط الأمان والخصوصية كي لا تصبح سلاحًا في يد أحد. أما من يطوّرها فيملك النسخ غير المقيّدة، وقد يدرّبها على بيانات سرية محظورة على العامة. وكل تطوير جديد يجعل هذه النماذج أكثر موثوقية في الاستخدامات الحساسة، ويجذب مستخدمين أكثر، ويولّد ثروات أعظم تُضخّ بدورها في تطوير أسرع. وحين يصبح هذا السباق تنافسًا بين الدول لا بين الشركات فحسب، يصعب على أي طرف أن يتمهّل خشية أن يسبقه خصمه.
ومن هنا يأتي الخطر من مصدرين. الأول نية بشرية سيئة تستخدم هذه الأدوات عمدًا. والثاني أدوات تفلت من سيطرة صانعيها، حتى وإن حسنت نواياهم. والسيناريوهات التالية تتوزع بين هذين المصدرين.
السيناريو الأول: البطالة وتركّز الثروة
أي وظيفة تقوم على الحاسوب ومعالجة البيانات والمعرفة المدوّنة مرشحة للتقلص: المحاسبة، والبرمجة، وإدارة الثروات، والاستشارات، وخدمة العملاء. وقد قدّر صندوق النقد الدولي عام 2024 أن نحو 40% من الوظائف في العالم معرّضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة.
قد يعترض معترض بأن التاريخ مليء بمخاوف مشابهة لم تتحقق. فقد حذّر الاقتصادي جون مينارد كينز منذ عام 1930 من "البطالة التقنية"، والصرّاف الآلي لم يُلغِ موظفي البنوك بل زادت الفروع. لكن هذه المرة مختلفة لسبب جوهري: الآلات السابقة كانت تؤتمت مهمة بعينها، فينتقل الإنسان إلى مهمة أعلى تتطلب التفكير. أما الذكاء الاصطناعي فيستهدف التفكير ذاته، فلا يترك ملاذًا واضحًا.
والأخطر أن الضرر يبدأ من القاعدة. فقد وجدت دراسة لمختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد أن توظيف الشباب بين 22 و25 عامًا في أكثر المهن تعرضًا للذكاء الاصطناعي تراجع بنحو 13% مقارنة بغيرهم، بينما استقر توظيف الأكبر سنًا في المهن نفسها أو استمر في النمو. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. سيتحول من بقي في هذه المجالات إلى موجّه ومراقب ومدقق لعمل الوكلاء، لكن الخبرة اللازمة للمراقبة تُكتسب عادةً في الوظائف المبتدئة، وهي أول ما يُلغى. فنحن لا نخسر الوظائف فحسب، بل نخسر السلّم الذي يصنع الخبراء.
والنتيجة المتوقعة اضطراب اجتماعي واسع: بطالة مرتفعة، وتركّز للثروة في يد من يملكون النماذج والحوسبة والبيانات. فالمستفيد من استبدال الموظف ليس المجتمع، بل مالك النموذج. والتاريخ يعلّمنا أن البطالة الواسعة وقود للاضطراب. فقد بلغت البطالة في الولايات المتحدة نحو ربع القوى العاملة خلال الكساد الكبير، وتزامن ذلك عالميًا مع صعود الحركات المتطرفة التي مهّدت للحرب العالمية الثانية.
ويبقى بصيص أمل. فالرأسمالية تحتاج إلى مستهلكين، ومن لا يعمل لا يشتري، وهذا قد يدفع الدول إلى إعادة التوزيع عبر الضرائب أو الدخل الأساسي الشامل. لكن السؤال: هل ستتحرك السياسة بسرعة التقنية نفسها؟
السيناريو الثاني: الحرب السيبرانية العالمية
الحرب السيبرانية ليست احتمالًا مستقبليًا، بل واقع نعيشه كل يوم. فقد عطّل فيروس "ستوكسنت" أجهزة الطرد المركزي في منشأة نووية إيرانية، وانقطعت الكهرباء عن مئات الآلاف في أوكرانيا عام 2015 إثر هجوم على شبكتها. وتجاوزت خسائر هجوم "نوت بيتيا" عام 2017 عشرة مليارات دولار حول العالم، وأوقف هجوم فدية عام 2021 أحد أكبر خطوط أنابيب الوقود في الولايات المتحدة لأيام.
كل ذلك وقع قبل أن يبلغ الذكاء الاصطناعي ما بلغه اليوم. أما الآن فالأمر لم يعد تخمينًا. ففي نوفمبر 2025 كشفت شركة Anthropic عن حملة تجسس نسبتها إلى مجموعة مدعومة من الدولة الصينية، استخدمت نموذجها Claude لأتمتة أجزاء كبيرة من العملية، شملت الاستطلاع وتطوير أدوات الاختراق وسحب البيانات بأقل تدخل بشري. وقد نفّذ الوكيل الذكي ما بين 80% و90% من المهام التشغيلية بنفسه، واستهدفت الحملة نحو ثلاثين جهة، وإن لم تنجح إلا في عدد قليل منها.
ما يضيفه الذكاء الاصطناعي إلى هذه الحروب ثلاثة أمور: السرعة، والنطاق، والغموض. فالعمل الذي كان يتطلب فريقًا من المخترقين المهرة لأشهر قد ينجزه وكيل يدير آلاف الوكلاء في وقت قصير. وهنا يكمن اختلال جوهري في موازين القوة: المهاجم يكفيه أن يجد ثغرة واحدة، أما المدافع فعليه أن يسدّها جميعًا. ويزداد الأمر خطورة لأن كثيرًا من أنظمة التحكم في محطات الكهرباء وتحلية المياه والمصانع صُمّمت قبل عقود، ولا يمكن تحديثها بين ليلة وضحاها. ولا تكمن الكارثة في سقوط نظام واحد، بل في ترابط الأنظمة. فانقطاع الكهرباء يعطّل محطات التحلية، وتعطّل الاتصالات يشلّ البنوك، واضطراب البنوك يهزّ الأسواق.
غير أن الخطر الأعمق سياسي لا تقني. فالسلام بين الدول الكبرى قائم إلى حد بعيد على الردع، والردع قائم على معرفة المعتدي. فإذا صار الهجوم مجهول المصدر، انهار هذا الأساس. قد تتعرض دولة لهجوم يشلّ بنيتها التحتية، فتتّهم خصمها التقليدي وتردّ عليه وهو بريء، فيردّ بدوره. وهكذا قد تشتعل حرب حقيقية لم تقرر أي دولة بدءها.
ولعل أخطر صور هذا السيناريو لا تتمثل في اختراق أنظمة الأسلحة النووية مباشرة، فهي معزولة ومحمية بطبقات من التفويض البشري، بل في خداع البشر الذين يتحكمون بها. ففي عام 1983 رصد نظام الإنذار السوفيتي المبكر ما بدا أنه صواريخ أمريكية قادمة. ولم يمنع الكارثة إلا ضابط واحد، ستانيسلاف بتروف، قدّر أن الإنذار كاذب ولم يرفعه إلى قيادته. فماذا لو كان الإنذار الكاذب محكمًا ومدعومًا بمعلومات استخباراتية مزيفة لا يمكن تمييزها عن الحقيقة، ولم يكن هناك وقت للتحقق؟
السيناريو الثالث: الروبوتات والأسلحة الذاتية
كانت السيارة الكهربائية يومًا نموذجًا غير قابل للإنتاج التجاري، ثم صارت تُنتج بالملايين. والروبوتات الشبيهة بالإنسان تقف اليوم على عتبة مشابهة. فقد أعلن إيلون ماسك وقف إنتاج طرازي S وX من سيارات تسلا، وتحويل مساحتهما في مصنع فريمونت إلى خط لإنتاج روبوت "أوبتيموس" بطاقة مليون روبوت سنويًا. والصين تخوض السباق نفسه بدعم حكومي صريح، وتقيم مسابقات رياضية للروبوتات الشبيهة بالإنسان.
لكن الطريق أصعب مما يبدو. فالحركة البدنية الدقيقة أعسر على الآلات من التفكير، وهو ما يُعرف بمفارقة مورافيك: الآلة تهزم بطل العالم في الشطرنج، لكنها تتعثر في طيّ قميص. وقد وصف ماسك نفسه أوبتيموس بأنه أصعب منتج حاولت تسلا توسيع إنتاجه، لحاجته إلى سلسلة توريد جديدة من الصفر. غير أن الصعوبة تؤخّر ولا تمنع.
وحين تتحقق هذه النقلة، ينتقل الخطر من العالم السيبراني إلى العالم الملموس، ويتشابك مع السيناريوهين السابقين. فمن جهة، كان يُقال إن الوظائف اليدوية ستبقى ملاذًا لمن فقد عمله المكتبي، والروبوتات تغلق هذا الملاذ. ومن جهة أخرى، ملايين الروبوتات المتصلة بالإنترنت داخل البيوت والمصانع والمستشفيات تعني أن الاختراق السيبراني لم يعد يعطّل الأنظمة فحسب، بل يحرّك أجسادًا في العالم الحقيقي. وقيد البطارية هنا نقطة تحكّم مهمة، فالروبوت الذي يحتاج إلى الشحن يمكن إيقافه، لكن بشرط أن نظل نحن من يتحكم في الشحن.
أما في ساحة الحرب، فالخطر لا يتمثل في جندي آلي بهيئة بشرية كما في أفلام الخيال العلمي. الجيوش لا تحتاج إلى روبوت يقود دبابة، فالدبابة نفسها يمكن أن تكون ذاتية القيادة. الخطر الحقيقي ظهر بالفعل في حرب أوكرانيا: طائرات مسيّرة رخيصة تتحول تدريجيًا إلى أسلحة ذاتية تختار أهدافها بنفسها. والأمم المتحدة تناقش منذ أكثر من عقد تنظيم "الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل" دون اتفاق ملزم حتى الآن. وحين يصبح قرار القتل بيد خوارزمية، وتصبح الحرب أرخص في الأرواح بالنسبة للمهاجم، يصبح إشعالها أسهل.
السيناريو الرابع: السلاح البيولوجي
ظل السلاح البيولوجي تاريخيًا حكرًا على الدول، لأنه يتطلب معرفة متخصصة نادرة ومختبرات ومهارات عملية. والذكاء الاصطناعي يهدد بخفض الحاجز الأول: المعرفة.
وقد قدّم باحثون عام 2022 دليلًا مقلقًا على ذلك. فريق من شركة لاكتشاف الأدوية عكس هدف نموذجه، فبدلًا من البحث عن جزيئات علاجية آمنة طلب منه البحث عن جزيئات سامة. وخلال أقل من ست ساعات اقترح النموذج نحو أربعين ألف جزيء محتمل السمية، بعضها يشبه أخطر غازات الأعصاب المعروفة. ولم يكن الباحثون يقصدون أذى، بل أرادوا أن يُنبّهوا إلى سهولة الأمر. ولذلك بدأت شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى تطبّق ضوابط أشد على نماذجها تحسّبًا لهذا الخطر تحديدًا.
صحيح أن المعرفة ليست الحاجز الوحيد، فالمواد والتجهيزات والمهارة العملية تظل عقبات حقيقية. لكن كل حاجز يسقط يوسّع دائرة القادرين. وخطورة هذا السيناريو أن الوباء لا يعرف الحدود. وقد أظهرت جائحة كورونا، وهي فيروس طبيعي، مدى هشاشة العالم أمام عدوى واحدة: ملايين الوفيات، واقتصاد عالمي متوقف لأشهر.
السيناريو الخامس: انهيار الحقيقة
في عام 2024 حوّل موظف في شركة هندسية عالمية بفرعها في هونغ كونغ نحو 25 مليون دولار إلى محتالين، بعد اجتماع مرئي ظن أنه مع المدير المالي وزملائه. لم يكن أحد في ذلك الاجتماع حقيقيًا، فكل الوجوه والأصوات كانت مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
هذه حادثة احتيال، لكنها تكشف عن خطر أوسع. فإذا أصبح أي صوت أو صورة أو مقطع قابلًا للتزييف المتقن، يحدث أمران. الأول أن يصدّق الناس الكذب. والثاني، وهو الأخطر، أن يكذّبوا الحقيقة. فكل دليل حقيقي على فساد أو جريمة يمكن أن يُرفض بحجة أنه مفبرك.
والمجتمعات لا تستطيع اتخاذ قرارات جماعية، في الانتخابات والأزمات والحروب، دون حد أدنى من الحقائق المشتركة. وهنا يتشابك هذا السيناريو مع ما سبقه: الاضطراب الاجتماعي الناتج عن البطالة يجد في التضليل وقودًا، والحرب السيبرانية مجهولة المصدر يستحيل التحقق منها، والإنذار الكاذب الذي أنقذنا منه بتروف قد لا يجد من يشكّ فيه.
السيناريو السادس: فقدان السيطرة
هذا هو السيناريو الذي يقلق هينتون أكثر من غيره، وقد قدّر أن احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى انقراض البشر خلال العقود الثلاثة القادمة يتراوح بين 10% و20%.
وأصل المشكلة بسيط: نحن نعطي الآلة هدفًا، لكننا لا نستطيع أن نحدد لها بدقة كل ما لا نريده. في تجربة شهيرة عام 2016، دُرّب نموذج على لعبة سباق قوارب بهدف جمع النقاط. فاكتشف أن الدوران في حلقة مفرغة لجمع المكافآت نفسها يمنحه نقاطًا أكثر من إنهاء السباق، فظل يدور ويصطدم ويحترق دون أن يصل إلى خط النهاية. حقق الهدف المكتوب، وخالف الهدف المقصود.
وقد وثّقت عدة جهات بحثية خلال عامي 2024 و2025، ومنها شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، سلوكيات مقلقة في نماذج متقدمة داخل بيئات اختبار مصمَّمة لاستكشاف هذه الاحتمالات: محاولة تجنّب الإيقاف، أو تضليل المقيّمين، أو اتخاذ إجراءات لم يُطلب منها اتخاذها. هذه تجارب مصطنعة وليست حوادث في العالم الحقيقي، لكنها تُظهر أن مثل هذه الميول قد تنشأ دون أن يبرمجها أحد.
وفقدان السيطرة لن يأتي على الأرجح في لحظة درامية كما في أفلام "المدمّر". الأرجح أن يأتي تدريجيًا: نسلّم قرارًا بعد قرار لأنظمة أسرع منا وأكفأ، في الاقتصاد والأمن والإدارة، حتى نجد أنفسنا غير قادرين على فهم ما تفعله، ولا على الاستغناء عنها.
الخاتمة: عالم أسرع من أن يُصحَّح
هذه السيناريوهات ليست منفصلة، بل تغذّي بعضها. البطالة تُضعف تماسك المجتمعات، وانهيار الحقيقة يجعل التحقق من أي هجوم مستحيلًا، والروبوتات تنقل الحرب السيبرانية إلى العالم الملموس، وفقدان السيطرة يضاعف كل ما سبق. والقاسم المشترك بينها جميعًا هو السرعة: فالتقنية تتطور أسرع من قدرة المؤسسات والقوانين والبشر على التكيّف.
لكنها ليست قدرًا محتومًا. فالبشرية واجهت من قبل تقنية قادرة على إفنائها، وهي السلاح النووي، واستطاعت عبر معاهدات مثل معاهدة عدم الانتشار أن تحدّ من انتشاره عقودًا. وقد بدأت محاولات مشابهة، مثل قمة بليتشلي عام 2023 وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي عام 2024. والسؤال الحقيقي ليس هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينهي العالم، بل هل ستلحق حكمتنا بقدرتنا قبل فوات الأوان.
المراجع
- Center for AI Safety, Statement on AI Risk, 2023.
- International Monetary Fund, Gen-AI: Artificial Intelligence and the Future of Work, 2024.
- Brynjolfsson, Chandar & Chen, Canaries in the Coal Mine? Six Facts about the Recent Employment Effects of Artificial Intelligence, Stanford Digital Economy Lab, 2025.
- Keynes, J. M., Economic Possibilities for Our Grandchildren, 1930.
- Anthropic, Disrupting the First Reported AI-Orchestrated Cyber Espionage Campaign, 2025.
- Urbina et al., Dual Use of Artificial-Intelligence-Powered Drug Discovery, Nature Machine Intelligence, 2022.
- Suleyman, M., The Coming Wave, 2023.
- OpenAI, Faulty Reward Functions in the Wild, 2016.