التحكم وممارسات التدجين والنمذجة

«القوة لا تُمارس فقط من أعلى الهرم، بل تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، حيث يتحول الإنسان إلى حالة يمكن قياسها، وتصنيفها، وضبطها». — مجهول

التدجين هو تحويل المخلوق من حالته الوحشية الحرة إلى حالة من الألفة والطاعة، بحيث يصبح قابلًا للسيطرة، ويعيش تحت إدارة الإنسان.

لا تبدأ السيطرة في الشركات بالسلاسل ولا بالأوامر العسكرية، بل تبدأ بـ«النمذجة». فالهدف الأسمى لأنظمة الموارد البشرية في الشركات الكبرى هو تحويل «الإنسان» المتغيّر المتقلب إلى «مورد» قابل للتنبؤ والقياس والتحكم.

وفيما يلي تفكيك لآليات التحكم التي تُمارَس تحت غطاء التنظيم.

أولًا: الوصف الوظيفي — القفص الذهبي

يُسوَّق الوصف الوظيفي (Job Description) على أنه وسيلة لتوضيح المهام. لكنه، من خلال العدسة السوداء، حدود القفص. هو الأداة التي تُستخدم لمحاسبتك إذا قصّرت، ولمنعك من التوسع إذا طالبت بحقوق إضافية. يحدد مساحة حركتك بدقة، وأي خروج عنه يجعل الموظف «متمردًا» أو «غير متعاون».

والموظف المبتدئ غير الناضج هو من يهيّئ نفسه للدخول إلى هذا القفص. كثيرًا ما تجده يبحث عن وصفه الوظيفي رغبةً في تحديد مهامه وواجباته بوضوح، ولن يتردد المدير أو الـ HR في توفيره له. وتكون هذه بداية دخوله القفص: يتحول من إنسان يتعلم من الخطأ إلى إنسان يُحاسَب على الخطأ.

وإذا أجاد المهام المناطة به بحسب الوصف، تحوّل النظر في تقييم أدائه من النتائج إلى السلوك المتّبع — وهذه جوانب لا تُكتب في الوصف الوظيفي أصلًا.

وقلّما تجد في قسم الموارد البشرية محترفين قادرين فعلًا على كتابة وصف وظيفي يفي بغرضه. في معظم الأحيان يُترك الأمر لمدراء الإدارات يكتبونه كيفما اتفق، فيصير الوصف هراءً وتنظيرًا للمهام، ويصبح المكتوب مفارقًا للمعمول به. والوصف الوظيفي إنما هو المخرج النهائي لعملية تحليل الوظيفة (Job Analysis)، وهي عملية أعمق تُنتهج لربط الوظائف باستراتيجية الشركة وأهدافها.

ثانيًا: تقييم الأداء — المقصلة الدورية

تُعدّ جلسات تقييم الأداء السنوية أو الربع سنوية أقوى أدوات التحكم النفسي، ومن أمضى أدوات التدجين.

الأرقام كأداة تدجين. تحويل مجهود إنسان كامل إلى رقم (٣ من ٥) يهدف إلى إشعار الموظف دائمًا بأنه «ليس كافيًا»، مما يجعله في حالة استنفار دائم لإرضاء النظام.

المنحنى القسري (Forced Ranking). حيث تضطر الإدارة إلى وضع نسبة من الموظفين في فئة «ضعيف» حتى لو كان الجميع متميزين، لخلق حالة من الصراع الداخلي تمنع الموظفين من التكتل ضد الإدارة.

المعايير: التحيّز المقنّع. غالبًا ما تُصمَّم معايير التقييم بطريقة فضفاضة تسمح بتأويلات متعددة، مما يمنح الإدارة مساحة لتبرير أي نتيجة. وهذا الغموض يُبقي الموظف في قلق دائم، لأنه لا يعرف ما هو المطلوب بدقة.

التقييم كسلاح سياسي. لا يُستخدم التقييم دائمًا لقياس الأداء الفعلي، بل لتصفية الحسابات أو تعزيز الولاءات. فالموظف الذي يثير أسئلة مزعجة قد يحصل على تقييم منخفض رغم كفاءته، كرسالة ردع. أما الموظف الداخل في نطاق المحسوبية، أو من يوائم ثقافة الإدارة ويشبههم، فله الفرص — بل الفرص للتعلم من أخطائه — وسيكون له مستقبل مبهر.

التأثير النفسي للتصنيف الهرمي. وضع الموظفين في فئات مثل «ممتاز» و«جيد» و«ضعيف» يخلق بيئة تنافسية غير صحية، حيث يتحول الزملاء إلى خصوم، فيضعف التعاون وتزداد عزلة الأفراد.

ومن ابتكروا هذه الآلية لم يتوقفوا عند ذلك الحد؛ فهذا النهج بكامل أطرافه ينتهي بتصفية ضعيفي الأداء وتسريحهم. وهو لا يحفّز الموظف، بل من شأنه أن يستثير فيه غريزة البقاء — والبقاء للأقوى تحديدًا — والوصول إلى الغايات بأي وسيلة كانت. واستخدامه يضع السواد الأعظم في حالة استياء وتوتر وقلق، بينما تنعم الفئة المقربة بالرضا. وهو شائع ومستخدم لأنه أداة تدجين من الطراز الأول، لا لأن العدالة أو الأداء من غاياته.

الربط بين التقييم والمكافآت. عندما يصبح التقييم البوابة الوحيدة للزيادات والترقيات، يتحول إلى أداة ابتزاز ناعمة؛ فيضطر الموظف لتقديم تنازلات شخصية أو مهنية لضمان «رضا» المقيّم. وهذا أسلوب كلاسيكي يسمى «العصا والجزرة»، يمثل سلطة الجزاء والعقاب.

التقييم كأداة تطفيش. تُمنح أحيانًا تقييمات منخفضة بشكل متكرر لدفع الموظف نحو الاستقالة دون الدخول في إجراءات الفصل الرسمية، وهو ما يسمى «الفصل الصامت».

أثره على الهوية المهنية. تحويل الأداء إلى أرقام يختزل الإنسان إلى «درجة»، مما يخلق أزمة هوية لدى موظف يرى نفسه أكثر من مجرد رقم في جدول.

الاعتماد على الانطباعات لا الحقائق. كثير من التقييمات يعتمد على الصورة الذهنية التي كوّنها المدير أو الـ HR عن الموظف، لا على إنجازاته الفعلية، فيصير التقييم أداة لتكريس الانحيازات.

ثالثًا: ثقافة الشركة — الغسيل الناعم للأدمغة

تحت شعار «قيم الشركة» و«الروح الواحدة»، يُمارَس نوع من الرقابة الاجتماعية. يُجبَر الموظف على تبنّي سلوكيات ولغة، وحتى طريقة تفكير معينة. ومن لا ينخرط في هذه الطقوس يُصنَّف فورًا عنصرًا غريبًا يجب التخلص منه — لا لأنه فاشل تقنيًا، بل لأنه «لا يناسب الثقافة».