السلالة الخفية

«من تعرفه أهم مما تعرفه، حين تكون السلطة خائفة من المجهول». — روبرت غرين

بينما يعظ كتيّب الموارد البشرية الرسمي بمبادئ الجدارة وتكافؤ الفرص، تكشف العدسة السوداء أن المحسوبية وتفضيل المقرّبين هما أكثر الوسائل فاعلية لضمان استقرار السلطة النخبوية.

وفي هذا العالم الموازي، أنت مخيَّر في مسيرتك: أن تسلك مسيرة طويلة يضيع فيها عمرك، أو أن تعرف حقيقة الأمور فتسلك طرقًا مختصرة.

صناعة النجم الساطع

تبدأ أولى مراحل بناء السلالة الخفية بما يمكن تسميته «تلميع المقرّبين مهنيًا»: قدرة قسم الموارد البشرية على تحويل القريب أو صاحب المعارف إلى «متخصص عالي التأهيل» على الورق.

يتم ذلك عبر مقابلة مفصّلة تُصمَّم أسئلتها لتناسب نقاط قوته الضئيلة وتتجاهل فجواته الصارخة. بل يصل الأمر إلى ابتكار «المتطلب الوهمي»: شرط وظيفي دقيق للغاية وغير ضروري، يُفصَّل خصيصًا على مقاسه لاستبعاد أي كفاءة خارجية قد تشكّل تهديدًا.

وبمجرد دخولهم، تبدأ رحلة الصعود. تحيطهم الموارد البشرية بدرع حصانة من جهة، وبحملة دعائية تذكر محاسنهم في الخفاء والعلن، وتصنع لهم الفرص التي يحلم بها كل موظف طموح.

حين يفشل المقرّب

وعندما يفشل أحدهم وينكشف ضعف إمكاناته، لا تُفعَّل ضده خطط تحسين الأداء كبقية الموظفين.

بل تُطلق الموارد البشرية حملة إعادة تلميع: يُوصف الفشل بأنه «منحنى تعلّم استراتيجي»، أو نتيجة قوى قاهرة خارجة عن السيطرة. وتنشط حملة «عقلية المتعلم» لتقبّل الفشل ونبذ «ثقافة اللوم» التي تؤثر سلبًا على أمنه النفسي.

وإذا تطلّب الأمر، يُفعَّل بروتوكول كبش الفداء: يُبحث عن موظف كفء من خارج الدائرة ليُلقى عليه اللوم بدعوى التقصير في العمل، حمايةً للمقرّب المنيع.

وتكرار الفشل لا يجعل هؤلاء مرشحين للفصل، بل — على العكس — مرشحين للنمو في مسارات قيادية. فالقيادة، في هذا المنطق، مجرد توجيه وإنجاز للمهام من خلال استغلال الآخرين.

اقتصاد دَين الولاء

هذا النظام يؤسس لما يمكن تسميته «اقتصاد دَين الولاء»، حيث تصبح المحسوبية الشكل الأسمى للعملة السياسية.

فحين يحصل المقرّب على مسيرته المهنية هبةً من شخص نافذ، يدين له بدَين ولاء يضمن ولاءه الأعمى. ويصبح الأداة المثالية لتنفيذ المهام القذرة، أو تمرير القرارات غير الأخلاقية دون سؤال، أو سدّ جبهة حماية من المنافسين — لأن بقاءه المهني مرتبط كليًا ببقاء وليّ نعمته.

السقف الحديدي

أما الموظف الموهوب غير المسنود، فتتحول المحسوبية في حقه إلى سقف حديدي يقتل طموحه بصمت.

قد تمنحه الموارد البشرية ترقيات بمسميات رنانة، لكنها منزوعة السلطة الحقيقية، بينما تُحفَظ الأدوار الاستراتيجية لأبناء السلالة.