«القانون حين يُطبَّق بصرامة انتقائية، يتحول من حماية إلى أداة قمع». — زيغمونت باومان
الصلاحية في يد موظف الموارد البشرية تفويض مطلق بالتفسير والتنفيذ. وفيما يلي كيف تُستخدم هذه السلطة في إدارة التوازن الهش داخل المنظمة، وكيف يتحول القانون من حامٍ للحقوق إلى أداة للإجحاف.
أولًا: سلطة التفسير — النص مقابل الروح
القوانين واللوائح الداخلية تُكتب غالبًا بلغة قابلة للتأويل. وهنا تكمن قوة الـ HR؛ فلديهم صلاحية اختيار التفسير الذي يخدم الهدف الحالي:
— في حالة العدل: تُستخدم «روح القانون» لمساعدة موظف مجتهد مرّ بظرف طارئ.
— في حالة الإجحاف: تُستخدم «حرفية النص» بطريقة جامدة لخنق موظف غير مرغوب فيه، ولتبرير حرمانه من ميزة مستحقة.
ثانيًا: التعيين والترقية — من يستحق؟
تملك الموارد البشرية صلاحية وضع المعايير المرجَّحة. فقد تُصمَّم شروط وظيفة معينة لتناسب شخصًا بعينه — تفصيل الوظيفة على المقاس — أو تُوضع عوائق تعجيزية أمام كفاءة خارجية لضمان صعود «ابن الشركة» المطيع.
الصلاحية هنا لا تُستخدم لاختيار «الأفضل»، بل لاختيار «الأنسب» لمنظومة القوى الحالية.
ثالثًا: التحقيقات الإدارية — القاضي والخصم في آن واحد
في كثير من النزاعات، يلعب قسم الموارد البشرية دور المحقق والقاضي معًا.
فخ الحياد. يُوهَم الموظف بأن التحقيق «إجراء روتيني»، بينما قد تكون النتيجة مبيّتة سلفًا. والصلاحية هنا تمنحهم القدرة على توجيه الأسئلة، واختيار الشهود، وصياغة المحضر بطريقة تُدين أو تُبرّئ حسب التوجيهات العليا.
رابعًا: توزيع المزايا — جزرة الولاء
تملك الموارد البشرية صلاحية منح الاستثناءات: زيادة راتب خارج الجدول، دورة تدريبية خارجية، مرونة في الدوام. وتُستخدم هذه الصلاحية أداةَ هندسة سلوكية:
— يُكافأ «الولاء الصامت» بالمزايا.
— ويُحرَم «النقد البنّاء» من المزايا نفسها، تحت ذريعة عدم توفر الميزانية أو عدم انطباق المعايير.
خامسًا: صلاحية إنهاء الخدمة
هي الصلاحية الأكثر رعبًا. فالقدرة على إنهاء عقد عمل إعدامٌ مهني.
ومن خلال العدسة السوداء، نرى كيف تُستخدم هذه الصلاحية أحيانًا لتصفية الحسابات، أو للتغطية على فشل إداري أكبر، حيث يُضحّى بالموظف الأضعف بدلًا من المدير المتسبب.
المفارقة الكبرى
إن الصلاحيات التي وُجدت لحماية حقوق المنظمة والموظف معًا، هي نفسها الأدوات التي تُستخدم ببراعة لشرعنة الإجحاف، وجعله يبدو «إجراءً قانونيًا سليمًا».