إذا كانت الاعتبارات مع الأصدقاء رياضةً، فهي مع النسايب بطولة عالم.
فالعلاقة بين عائلتي الزوجين منطقة دبلوماسية عالية الحساسية: كل كلمة فيها تُوزن، وكل زيارة تُحسب، وكل هدية تُقيَّم بميزان الصاغة.
أرشيف لا يتقادم
فزيارات العيد تخضع لبروتوكول صارم: من يزور أولًا؟ وكم يجلس؟ ولماذا جلسوا عندهم ساعتين وعندنا ساعة وعشر دقائق؟
هذه الفروقات الزمنية تُرصد بدقة الأقمار الصناعية، وتُحفظ في أرشيف لا يتقادم، لتُستدعى بعد خمس سنوات في أول خلاف: «ومن يوم العيد ذاك وإحنا شايفين المعاملة».
استعراض القوة
وعزيمة النسايب ليست وجبة، بل استعراض قوة: الذبيحة لا تكفي، والذبيحتان حد أدنى، والسفرة يجب أن تئنّ تحت الأطباق، لأن أي نقص سيُقرأ فورًا على أنه رسالة مشفرة.
ويجلس الطرفان يتبادلان «بيتنا بيتكم» و«ما قصرتوا» و«هذا واجبنا»، وكل طرف يدير في رأسه، بالتوازي، جلسة تقييم مغلقة ستُعقد رسميًا في السيارة عند المغادرة — فالسيارة هي غرفة العمليات الحقيقية لعلاقات النسايب.
أما الحماة والكنّة فبينهما اتفاقية سلام موقعة بالابتسامات، بنودها السرية معروفة للطرفين: «وش رأيك في طبختي؟» ليس سؤالًا، بل اختبار ولاء. والإجابة الوحيدة المقبولة معروفة سلفًا، ومع ذلك يُطرح السؤال في كل مناسبة، لأن الاعتبارات لا تبحث عن الحقيقة... تبحث عن تجديد البيعة.
الكاشف
وكاشف الاعتبارات عند النسايب لا يحتاج تقاعدًا ولا قرار نقل.
تكفي مشكلة واحدة بين الزوجين حتى تسقط عبارات «بيتنا بيتكم» دفعة واحدة، ويظهر تحتها المحضر الحقيقي للعلاقة، مؤرشفًا بالساعة والدقيقة منذ يوم الملكة.
الخلاصة: عقد اجتماعي غير مكتوب
والحقيقة المرّة أن هذه الاعتبارات، على إزعاجها، هي الغراء الذي يمسك نسيجنا الاجتماعي.
نحن نشكو منها جميعًا، ثم نمارسها جميعًا، لأن البديل — الصراحة الكاملة — مرعب أكثر. تخيّل مجتمعًا يقول فيه الناس ما يعنونه فعلًا: «لا أريد زيارتك»، «فاتورتك عليك»، «مللت من حديثك منذ ساعة». مجتمعٌ كهذا سيكون صادقًا بلا شك... وموحشًا بلا شك أيضًا.
فلنواصل إذن هذه المسرحية الجماعية بروح رياضية: نتقاتل على الحساب ونحن نتمنى الهزيمة، ونرفض القهوة ونحن نشتهيها، ونضحك لنكتة ولد الشيخ ونحن نعلم أنها لا تُضحك، ونقول «البيت بيتك» ونحن ندعو الله ألا يصدّقنا أحد.
فالمجاملة، في نهاية المطاف، كذبة بيضاء متفق عليها — والمتفق عليه بين الجميع لم يعد كذبًا، بل صار حضارة.