تعود بي الذاكرة و أنا حافي القدم في حارتنا في حي السامر بجدة. كنت أجوب الشوارع باحثاً عن أهداف لأقتنصها بحذف الحصى. و كانت هذه الأهداف جامدة كمصابيح الشوارع و قوارير الكولا أو في حالات أخرى كانت أهداف حية كالقطط و في حالات محدودة كانت أهداف بشرية.
وكان شائعا بين أولاد الحي أن يتقنو صناعة النُبيلات و هي عبارة عن اداة حذف الحصى تصنع من المطاط و قطعة من جلد شبشب شرقي "زبيري" تكون مربوطة بي قطعة معدنية تصنع من علاقة ملابس مدعمة بقطعة خشب موثقة إيثاق تام بالشطرطون "شريط لاصق"يكون قبضة تمكن من الأمساك بها بإحكام.
كان البعض ماهرا في استخدام النبيلة فيصطادون العصافير او الحمام و في أوقات الملل بساس الشارع. كانت بداية تدريبي للنبيلة برصد و استهداف قوارير الكولا و غيرها. و كانت الساحات الشاغرة كثيرة و كل ما تحتاجه هو تلة من المخلفات او الرمل و قارورة و ساعد قوي. توضع القارورة على اعلى التلة و نبدأ بإستهدافها حتى تتناثر.
وفي يوم اسود، رافقني ولد جارنا المطيري و كان اسمه توفيق لممارسة هذه الرياضة و التي تعد نوعاً من أنواع الرماية في عالمنا ذلك. رافقني توفيق للمنافسة لكسر القوارير الزجاجية . و بالفعل توجهنا ووضعنا قارورة على اعلى تلة و بدأنا بالتناوب على الحذف بغية التكسير و المتعة و النشوة ورؤيتها وًهي تتهشم لشظايا. و لكن ذلك اليوم كانت المنافسة محتدمة فقد طال النزال و لم يصب اي احد منا الهداف. اذكر انه شطف "ارتطام جانبي غير مباشر " القارورة فترنحت و سقطت. فذهب لتعديل وضعها. و في طريقة نحو القارورة كنت ابحث عن قطعة الحصى المناسبة فوجدت قطعة من بلوك احمر. القطع من البلوك الأحمر يكون خفيف الوزن و إذا حذف بطرية سريعة يمكن ان يتسارع بطريقة منحنية "الموزة". بعد أن امسكت بتلك القطعة، تخيلتة انه بمجرد ان توفيق يضع القارورة و أنا سأقوم بحذف القطعة الحمراء ، ستكون استهداف للقارورة بطريقة احترافية و استعراضية يذهل لها الجميع. ما إن وضع القارورة، و كانت القطعة في رحلة سريعة تقارب سرعة الصوت لتصيب هدف بشري كان بالقرب منها.
لما تكن المسافة كافية ان تقوم قطعة البلك الرقيقة بمسار منحني كما تخيلت أو ربما انحرفت أكثر من اللازم وًلكن في نهاية المطاف اصابت هدفا.
صوت ارتطام خافت و هو صدى الصوت المتدردد داخل جمجمة إنسان، صرخة ، الولد يمسك برأسة، يركض لبيتهم، يقول " والله دم، فقشتني"، قطرات الدم تنزل على الفلينة، فزع، استغراب، هرب …
صورة الدم الأحمر على الفلينة البيضاء كان مرعباً.
دخلت البيت وًلم اعرف أين أتخفى، دخلت غرفة جدتي وكانت شاغرة و مظلمة. لم انزل تحت سرير أو في داخل دولاب، انحشرت بالقرب من الجدار ظاننا انه سيخفيني. الحقيقة أني كنت في قمة الرعب. تتكرر صورة الدماء على ملابسة و فيما يبدو انه من قوة الرعب نمت لعله يكون كابوساً.
استيقظت من نومي على صوت اخي الأكبر وًهو يسأل "فين ريان؟ فين شرد ؟ " يبدو انه كان يتحدث لأمي و كانت تستفسر "ايش سوى".
فتح الباب و كنت غارق في عرقي. وجدني، سحبني، أخرجني للشارع لأجد أني أمام محكمة صغيرة اجتمع فيها اخوة توفيق الكبار و بعض الجيران. كان الموقف صاعقاً، فالأدلة الجنائية واضحة، لم استطع ان أقنعهم بالخطأ الذي دفعني اليه خيالي. لقد خانني اخي الأكبر لأنه سلمني لمن لا يشفق على.
انتهى