الموارد البشرية والمستشار الخارجي

«أخطر القرارات هي تلك التي تُغلَّف بلغة الخبراء». — نعوم تشومسكي

حين تريد الإدارة العليا اتخاذ قرارات دموية — تسريح مئات الموظفين، أو إلغاء مزايا تاريخية، أو تصفية قيادات قديمة — تواجه مشكلة أخلاقية وسياسية أمام الموظفين.

هنا يظهر المستشار الخارجي: ذاك الرجل الأنيق الذي يحمل حقيبة جلدية فاخرة ولهجة واثقة، ويتقاضى الملايين ليقول للإدارة ما تودّ فعله أصلًا — لكن بلسان الخبير المحايد.

أولًا: المرتزقة الإداريون

المستشار الخارجي هو القاتل المأجور في عالم الشركات، وميزته الكبرى أنه لا يملك أي روابط عاطفية مع الموظفين. لا يعرف أسماء أطفالهم، ولا يهمه عدد السنوات التي قضوها في خدمة الشركة. وظيفته أن ينظر إلى الموظف رقمًا في ميزانية، ووحدة تكلفة يجب تقليصها.

والموارد البشرية هنا تلعب دور الدليل لهذا القاتل: تمدّه بالبيانات والقوائم السوداء، ثم تختبئ خلف ظهره.

ثانيًا: غسل الأيدي

الهدف الحقيقي من جلب المستشار ليس التطوير، بل إبراء الذمة.

فحين يخرج قرار التسريح، تخرج إدارة الموارد البشرية بوجوه حزينة لتقول: «لقد حاولنا الدفاع عنكم، لكن تقرير المكتب الاستشاري العالمي كان حاسمًا، والشركة ملزمة باتباع توصيات الخبراء لضمان البقاء».

هكذا تُصدَّر الكراهية إلى الخارج، وتظل صورة الإدارة نظيفة — أو على الأقل مغلوبة على أمرها.

ثالثًا: علمنة القسوة

يبرع المستشارون في استخدام لغة تقنية معقدة ورسوم بيانية مبهرة لتبرير القرارات القاسية.

فبدلًا من «سنطرد الموظفين»، يقولون «تحسين الهيكل التنظيمي» أو «تحقيق الرشاقة المؤسسية». وهذا التغليف العلمي يجعل القسوة تبدو ضرورة رياضية لا تقبل النقاش، مما يشلّ قدرة الموظفين على الاعتراض.

رابعًا: مفارقة التكلفة

من المضحك — والمبكي — أن الشركة قد تدفع لمكتب استشاري خمسة ملايين لتوفير ثلاثة ملايين من رواتب الموظفين.

والمنطق هنا ليس اقتصاديًا، بل هو ثمن الدرع السياسي. الإدارة تدفع هذه الملايين لتشتري صمت الموظفين، ولتتجنب المساءلة القانونية أو الأخلاقية، ولتشتري شهادة احترافية تبرّر قراراتها أمام المساهمين.

خامسًا: تقرير المقاس المطلوب

في الغرف المغلقة، وقبل أن يبدأ المستشار عمله، يُتفق على النتيجة المطلوبة.

يقول المدير التنفيذي: «نريد تقليل العمالة بنسبة عشرين في المئة»، فيذهب المستشار ويصمم دراسة «علمية» تثبت أن هذه النسبة تحديدًا هي الفائض الذي يعيق نمو الشركة.

فالمستشار هنا ليس باحثًا عن الحقيقة، بل خيّاط يفصّل التوصيات على مقاس رغبات الإدارة العليا.

الخلاصة

المستشار الخارجي هو المحلّل الشرعي لقرارات الموارد البشرية القاسية. وجوده يمنح الإدارة القدرة على الطعن من الخلف، بينما تمسح هي دموعها أمام الموظفين بمنديل «الخبير العالمي».