اعتبارات المدير العام: مسرح المكاتب اليومي

ولأن الاعتبارات لا تعرف حدودًا بين المجلس والمكتب، فإن لبيئة العمل نسختها الخاصة من المسرحية: بطلها المدير العام، وممثلوها موظفون يتقاضون رواتبهم رسميًا عن الوظيفة، وفعليًا عن الأداء التمثيلي.

الإجماع الفوري

في الاجتماعات تحدث ظاهرة «الإجماع الفوري»: يطرح المدير فكرة، فتتحول القاعة خلال ثوانٍ إلى غابة رؤوس تهتز موافقة، وتنهال العبارات: «فكرة ممتازة»، «هذا بالضبط ما كنا نحتاجه»، «رؤية استراتيجية والله».

ثم بعد الاجتماع بعشر دقائق، عند ركن القهوة، ينعقد الاجتماع الحقيقي، حيث تُشرَّح الفكرة نفسها تشريحًا: «كلام غير عملي»، «جربناها قبل خمس سنوات وفشلت»، «الله يعيننا».

فالشركة الواحدة تعقد دائمًا اجتماعين: واحدًا للمحضر، وواحدًا للحقيقة.

بقية الطقوس

وله في العروض التقديمية كرامات: شرائحه المزدحمة بالنصوص تُستقبل بإنصات المريدين، وحين يخطئ في قراءة رقم، يسارع الجميع إلى لوم الشاشة والإضاءة وجودة العرض — أي شيء إلا القارئ.

أما «سياسة الباب المفتوح» التي يفاخر بها، فهي أشهر أبواب المبنى المفتوحة نظريًا والمغلقة عمليًا: الكل يمدحها، ولا أحد يجرؤ على تجربتها.

وفي المصعد يسود صمتٌ كوني حين يدخل، ويكتشف الموظفون فجأة اهتمامًا بالغًا بأحذيتهم وشاشات جوالاتهم.

وفي نهاية الدوام تنشط لعبة «من ينصرف أولًا»: الجميع أنهى عمله منذ ساعة، لكن أحدًا لا يتحرك قبل أن يُرى المدير خارجًا — فالإنتاجية عندنا لا تُقاس بالإنجاز، بل بزاوية رؤية المدير للكرسي.

الكاشف

وكاشف الاعتبارات هنا أسرع من التقاعد.

يكفي أن يصدر قرار نقله أو إحالته إلى منصب «مستشار» — ذلك المنصب الذي يعرفه الجميع مقبرةً مكيفة — حتى تبدأ الردود على إيميلاته تتأخر، ويتقلص «جزيل الشكر والتقدير على التوجيه السديد» إلى «شكرًا»، ثم إلى قراءة صامتة بلا رد.

فذاكرة المكاتب، كذاكرة المجالس، لا تحفظ الوجوه... تحفظ التواقيع النافذة فقط.