«أخطر أشكال السلطة هي تلك التي لا تحتاج إلى أن تُمارَس علنًا». — حنّة أرندت
لماذا يخشى الموظف موظفي الموارد البشرية؟
في كثير من الشركات، بمجرد أن يتلقى الموظف اتصالًا أو بريدًا إلكترونيًا يبدأ بجملة «الرجاء الحضور إلى مكتب الموارد البشرية»، تنقبض أساريره وتتسارع دقات قلبه.
هذه الرهبة ليست صدفة، بل نتاج هندسة نفسية تجعل من هذا القسم مرادفًا للقلق. وإليك الأسباب الكامنة خلف هذه «الهيبة السوداء».
أولًا: امتلاك «مفاتيح الأمان»
يخشى الموظف الـ HR لأن هذا القسم يملك القدرة على زعزعة أمنه الشخصي والمادي. هم من يملكون أوراق الاستغناء، وهم من يقررون مصير الزيادات السنوية.
وفي علم النفس، يُنظر إلى الـ HR كـ«مانح الأمان أو سالبه»، وهذا يضعهم في مرتبة أعلى في الهرم النفسي داخل المنظمة.
ثانيًا: متلازمة «الضابط المختفي»
يُنظر إلى موظف الموارد البشرية كشخص يراقب بصمت. هو لا يتدخل في عملك الفني اليومي، لكنه يجمع النقاط ضدك في ملفك الشخصي.
وهذه الحالة من عدم المعرفة بما يدور تخلق نوعًا من البارانويا المؤسسية؛ حيث يشعر الموظف أنه تحت مجهر لا يراه، مما يعزز هيبة القسم القائمة على الغموض.
ثالثًا: لغة الجسد والبرود العاطفي
غالبًا ما يُدرَّب موظفو الموارد البشرية — أو يكتسبون — نوعًا من «الاحترافية الباردة». ففي المواقف الصعبة يختبئون خلف تعبيرات وجه محايدة، ونبرة صوت رتيبة، وقوانين جافة.
وهذا التجرّد يفسّره الموظف على أنه قوة مطلقة لا يمكن استمالتها عاطفيًا، مما يزيد فجوة الخوف.
رابعًا: سلطة السرية
الموارد البشرية مستودع الأسرار. هم يعرفون من ستتم ترقيته قبل أن يعرف هو، ومن سيُفصل قبل أن يجمع حقائبه.
وامتلاك هذه المعلومات المستقبلية يمنحهم هيبة العرّاف؛ فالناس يخشون من يملك معرفة بمستقبلهم لا يملكونها هم.
خامسًا: دور «الجلّاد» بالنيابة
في كثير من الأحيان تستخدم الإدارة العليا قسم الموارد البشرية واجهةً لتنفيذ القرارات الصعبة وغير الشعبية.
وعندما يختبئ المدير المباشر خلف جملة «هذا قرار الـ HR»، فإنه يوجّه كل غضب الموظف وخوفه نحو هذا القسم، فيتحول موظف الموارد البشرية في نظر الجميع إلى الجلّاد الذي لا يرحم.
سادسًا: الربط بين «المكتب» و«النهاية»
بالنسبة لكثيرين، مكتب الموارد البشرية هو المكان الذي تنتهي فيه الأحلام المهنية، أو تُدفن فيه الشكاوى.
نادرًا ما يُستدعى الموظف هناك ليُقال له «شكرًا» — فهذا يفعله المدير المباشر عادةً — لكنه يُستدعى للتحقيق، أو للإنذار، أو لتبليغه بقرار إنهاء الخدمة. وهذا الربط الشرطي جعل من المكان نفسه مصدرًا للرهبة.
النتيجة
الهيبة في الموارد البشرية ليست دائمًا ناتجة عن الاحترام المهني، بل هي في كثير من الأحيان «هيبة وظيفية» قائمة على امتلاك أدوات العقاب والتحكم في المصير.