البلوك

في حي السامر، كانت أعمال بناء المنازل فرصة لمغامرات جديدة. و كانت هذه المغامرات تأخذ حيثيات غير متوقعة وهذه المغامرات هي فرصة لتراكم الخبرات و صقل المهارات.

في يوم مشمس، كان جارنا يقوم بأعمال البناء في بيته، و انزل أمام بيته مجموعة من بلوك البناء و كومة من الرمل الناعم. كان هذا الجار غير محبوب من الجيران الآخرين. و أول نقطة خلافية نشبت بينه كانت مع احد جاره الملاصق لبيته من الخلف. كان جوهر الخلاف أنه بعد أن تحقق من الكروكي "المخطط الذي يبين أبعاد الأرض" وجد انه جاره الملاصق تعدى على حدوده و بنى سور بيته في نطاق حدود ارضه. و علا الخلاف و سمعت الحارة صريخهم حول ذلك الموضوع. انتهى الخلاف بتنازل الجار لسور بيته لأنه طلب منه ان يهدمه في حال أصر على موقفه علما أن بس شي الجار كان من اوائل الناس التي سكنت الحارة.

و في طور بناءه لبيته أو فيما اذكر توسعته، كان البلوك "الطابوق" مظهره جميل و هو مصطف الواحدة فوق الأخرى. خرجت يوما أتسكع في الشارع أمام المنزل فهالني ذلك المنظر. قررت اختبار قدراتي في التصويب و القذف، لكن هذه المرة كان الهدف جامدا و لكنه يمثل تحدي كبير فهل ساعدي قادر على تحطيب البلوك.

التكوييك هو مصطلح يستخدم عندما يشجعك شخص آخر على القيام بعمل ما من خلال دعمك معنوياً. فهو يعززلك فعلك وعادة تكون في افعال خمبقه.

خرج ولد الجيران الذي يماثلني في العمر من بيته، و اضرم في نفسي الحماسة و كوكني. بدأنا في منازلة في القذف من يكسر بلوكات اكثر. و بدأ الإستهداف و القصف. كان المشهد يثير الحماس، فحين ترتطم المقذوفة بقطعة البلوك تتكسر و يزداد الحماس في حال ظهر تأثير الدمينو حين تنهار الواحدة تلو الأخرى بعد استهداف البلوك في الصف الأدنى. و كانت التنافسية محتدمة بيني و بين ولد الجيران، حولنا جزء كبير من البلوك لكومة من الركام وعاد كل واحد لمنزله منتشياً بما حققه. و لكن لكل شيء إذا ما تم نقصان.

و بعد ساعات، أنا أتجول في داخل بيتنا، خرجت أمي تبحث عني، و يبدو انه شعرت بأني متورط ب"قبعة" كبيرة "قبعة يعني مشكلة كبيرة" فسألتني "ايش سويت" و كان الرد التلقائي حركة بسيطة ترفع فيه الكتفين بالتزامن ثم ينزل دلالة على الإنكار و عدم المعرفة. لم استطع حتى الحركة بعيداً.

كانت خطوات اخي الكبير تتسارع و هو يسأل " فين ريان، فين ريان" حاولت الفرار، حاولت أمي الدفاع عني " هو ايش سوى طيب" لكن اخي أجابها بما فعلت و سحبني سحباً للشارع و كان الجيران مجتمعين في حلقة حول ركام البلوك و جارنا ذلك يزمجر و يبرق و يرعد. "اولادكم، و فيهم ومافيهم، البلوك هذا جايبه و مكلفني…" ومن بين الصفوف سحبوني سحباً حتى وصلت عند ذلك الرجل الذي يهابه الجميع. " هذا هو ريان" سلمني اخي الأكبر مقراً بهويتي. فكنت انظر له و هو رجل بالغ و أنا طفل صغير القامة. "انت كسرت البلوك يا ريان. ليش سوت كذا" لا اعلم فيما إذا أسعفني لساني للرد أو اتهام ولد الجيران لكن ازداد الموقف غرابة عندما ارتسمت على و جه ذلك الجار ابتسامة حانية و قال" انت يا ريان شاطر في المدرسة" فأجبته " ايوا" فقال " ماشاء الله عليك… خلاص بما انك شاطر فراح نسامحك بس لا تسويها مرة ثانية… و إن شاء الله إذا نجحت راح نجيبلك هدية… و نظر لأوجه الواقفين… و تبسم و قال " راح نجيبلك بلوكة إذا نجحت" و إنتهت هذه المحاكمة الشعبية و ظهر للجميع أن ذلك الجار صاحب حق ولا يتنازل عنه و لكنه ودود إذا تطلب الموقف ذلك.